تحقيقات

42675‏السنة 127-العدد2003اكتوبر9‏13 من شعبان 1424 هـالخميس

مركز زراعة الكلي بعد الدكتور غنيم
سياسة التفرغ مهددة بالانقراض‏!‏

تحقيق : ‏ ‏ســيد علــي
عندما ترك الدكتور محمد غنيم رئاسة قسم المسالك البولية وإدارة مركز زراعة الكلي بالمنصورة وفقا للقرارات الجامعية‏,‏ وأصبح للقسم رئيس وللمركز مدير آخر‏,‏ وكان للمركز سياسة صارمة بعضها مكتوب والبعض الآخر متعارف عليها‏,‏ ظل الدكتور غنيم يحرص عليها حتي أصبح المركز عالميا‏,‏ وصار العاملون فيه عالميين بحكم هذا النظام‏,‏ ومنذ ترك الدكتور غنيم الإدارة والبعص يحاولون هدم النظام الذي صنعهم ـ وخاصة في مسألة التفرغ تماما وعدم الموافقة علي فتح عيادات‏,‏ ومن يصر علي فتح عيادة يستبعد من عمليات الزرع‏,‏ بجانب بعض المشاكل الإدارية الأخري الصغيرة‏,‏ صحيح أن المعترضين اساتذة وشباب علا نجمهم في جراحات زراعة الكلي وهم مبشرون‏,‏ وأصبح لهم اسماء محترمة‏,‏ ولكن الصحيح أيضا ـ كما يقول الدكتور غنيم إن النظام هو الذي صنعهم ـ بل ويضيف أن هناك اثنين منهم مستقبلهما واعد ويعتز بهما‏,‏ وإذا كانت هناك تجربة طبية نجحت فلماذا لا نحافظ عليها ونرعاها حتي تستمر سمعة المركز العالمية‏.‏

سألت الدكتور أحمد بيومي مدير المركز الذي تولي بعد الدكتور غنيم قال لا يوجد حتي الآن في مصر قانون ينظم موضوع نقل الكلي‏,‏ والشئ الوحيد الموجود هو قرار من نقابة الأطباء ينص علي نوعية المتبرعين بالكلي وأن يكون قريبا من الدرجة الرابعة‏,‏ ومتي يقبل تبرع القريب بالكلي‏,‏ وهذا التقنين لم يصدر إلا في أوائل التسعينات رغم بدء عمليات الزرع منذ عام‏76,‏ ومن ثم لا يوجد تشريع وتخضع عمليات الزرع إلي النظم المحلية لكل مكان والوازع الإنساني‏..‏ وكان الدكتور غنيم خلال فترة الإنشاء وحتي خروجه يعمل مديرا للمركز ورئيسا للقسم وهكذا أصبح للمركز وضع خاص نتيجة الإدارة بأسلوب غير نمطي ولكن ليس خارجا علي اللوائح‏,‏ وكان هذا التنظيم مستمدا من قوانين المجلس الأعلي للجامعات واللائحة الداخلية للمركز التي أقرها مجلس الجامعة وتم تعديلها عدة مرات في مراحل زمنية لتتواءم مع الظروف باعتبار أن المركز وحدة ذات طابع خاص‏..‏ وهكذا برزت محاولات بعد مرحلة الدكتور غنيم كرده عن النظام الصارم المتعلق بالتفرغ‏,‏ ومفهوم التفرغ نوعان الأول بقوة القانون للمعيد وبعد أن يصبح مدرسا لمدة‏3‏ سنوات إلا أنه للأسف لم يطبق هذا القانون في أي مؤسسة طبية أو جامعية باستثناء قسم المسالك البولية بالمنصورة‏,‏ ومن أراد أن يفتتح عيادة بعد مرور‏3‏ سنوات من حصوله علي الدكتوراه يعمل كعضو هيئة تدريس غير متفرغ‏,‏ وهكذا أصبح هناك‏72‏ متفرغا في وحدات مختلفة مقابل‏16‏ عضو هيئة تدريس غير متفرغ‏,‏ ويتم صرف مقابل من صندوق الأطباء بناء علي نظام النقط للمتفرغين‏,‏ أما الأعضاء غير المتفرغين فيحصلون علي مبالغ من الصندوق‏,‏ ولكنها ليست بنفس قيمة المتفرغين‏,‏ وهنا لجأوا إلي لجنة فض المنازعات بالجامعة لمساواتهم بالمتفرغين ولكن اللجنة رفضت فذهبوا للقضاء الإداري ويضيف الدكتور بيومي أن ما كان ساريا طوال‏25‏ سنة فترة الدكتور غنيم في مسألة نقل الكلي أن يكون العاملون من المتفرغين لأنه ليس موضوع جراحة فقط ولكنه جزء وتسبقها تحضير للمريض وللمتبرع وأشعات والمعامل والتخدير ومتابعة المريض لمدة أسبوعين‏,‏ ثم المتابعة للمريض حتي نهاية العمر وهكذا فإن المسألة تحتاج الي وقت وملاحظة وتركيز ولن يتأتي ذلك إلا بنظام التفرغ‏.‏

وقد أثبت النظام نجاحا متميزا من حيث النتائج فهناك‏1600‏ جراحة كأكبر مجموعة منشورة في العالم للمتبرعين الأحباء‏,‏ وبالمقارنة بالمراكز الأخري في مصر‏,‏ فإن نسبة المتبرعين الأقارب‏90%,‏ لأن كثيرا من المراكز الحكومية بدأت تغلق أبوابها وتحولت العملية إلي المراكز الخاصة وبدأت الظاهرة في الزراعة من غير الأقارب في هذه المراكز الخاصة أو بإختصار شديد بيع الكلي‏,‏ ولهذا يصر المركز بالمنصورة علي التفرغ التام درءا لأية شبهات‏.‏
الأمر الآخر الذي يثير بعض المشاكل أن البعض يتصور أن الإدارة مثلها مثل طابور الجمعية وكل حسب دوره‏,‏ رغم أن بالمنصورة‏6‏ مراكز طبية متخصصة تم تعيين‏16‏ مديرا لها بعد رحيل الرجل الأول ولم يكن واحد منهم هو الأقدم سوي في حالتين فقط‏.‏

سألت الدكتور محمد غنيم عما يحدث الآن‏..‏ قال أن اختيار مدير المركز يتم بطريقة مختلفة عن اختبار رئيس القسم‏,‏ ذلك لأن مدير المركز يأتي من أحد الأساتذة المتفرغين‏,‏ وهي طرق خطأ لأن الصحيح هو الإعلان المفتوح لاختيار أحسن الأفراد أكاديميا وعلميا‏,‏ لأن المسألة الآن أصبحت الترقية بالزحف‏,‏ عكس الخارج حيث يكون التعيين بالإعلان المفتوح‏,‏ وكلما كانت الجامعة أرقي قلت الشروط‏..‏ المهم‏..‏ كما يقول الدكتور غنيم أنه بعد خروجه علي المعاش كان لابد من اختيار رئيس للقسم وهي مسئولية العميد ومدير متفرغ للمركز ورشحت الدكتور بيومي وقبل رئيس الجامعة لأنه رجل نزيه وملتزم ويستطيع إدارة المركز ـ وخاصة بعد فترة استمرت طويلة بنفس الإدارة‏,‏ وكان المركز يدار بسياسات بعضها مكتوب علي هيئة لوائح‏,‏ وبعضها أصبح سلوكا متعارفا عليه مثل التفرغ التام بالمركز‏,‏ وحتي غير المتفرغين هناك تقدير رمزي ومزايا غير مباشرة مثل سداد اشتراكات الجمعيات العلمية والاشتراك في المجلات العلمية واستدعاء أطباء زائرين وبعثات للخارج‏.‏
وبعد خروجي للمعاش ـ يقول الدكتور غنيم ـ حاول البعض عدم الاستمرار في سياسات المركز في ظل مناخ عام ومضاد لهذه السياسات‏,‏ ولكنها

كانت فرصة لتحويل الأفكار الي سياسات لكي ينفذها مدير المركز وفي مجلس ادارة المركز طرح البعض مساواة المتفرغين بعدم المتفرغين لهدم نظام التفرغ‏,‏ ثم طرحوا بدلا من الصرف علي المؤتمرات في الخارج يريدون مكافأة مالية ووافق المجلس علي ذلك بحيث يحصل الأستاذ علي مكافأة شاملة مدفوعة الضرائب وقدرها‏16‏ ألف جنيه سنويا‏!‏
ويقول الدكتور غنيم إن النشاط الرئيسي للمركز هو نقل الكلي‏,‏ وبالتالي فإن الانفاق له الأولوية في عمليات نقل الكلي‏,‏ وقد نجح المركز‏,‏ بينما تعثرت المراكز الأخري نتيجة للنظام الصارم لمركز المنصورة وخاصة في عقيدة التفرغ‏,‏ وهو ما أوجد أجيالا لها مستقبل باهر‏,‏ حين كان بعض الأساتذة الكبار يخرجون في اعارات وعندما يعودون يفتتحون عيادة فيصبحون غير متفرغين‏,‏ مما أنتج أجيالا متتابعة في عمليات زراعة الكلي‏..‏ ويشدد الدكتور غنيم علي أن نقل الكلي في المراكز الخاصة تترتب عليه ممارسات مهنية خاطئة رفضتها النيابة واحكام القضاء‏,‏ وهنا يتساءل لماذا ينقلب البعض علي النظام الذي كونه‏,‏ ثم ان المركز حينما صمم كان لخدمة‏4‏ ملايين والآن أصبح يخدم مصر كلها‏,‏ علما بأن‏93%‏ من المرضي كانوا مجانا و‏6%‏ دفعوا مع العلم بأن أغلي عملية هي التي ابتكرها الدكتور حسن ابو العينين وتعرف باسمه في استئصال المثانة ولاتزيد علي‏1250‏ جنيها شاملة كل شيء‏,‏ علما بأن تكلفة الادوية سنويا لزرع الكلي تزيد علي‏16‏ مليون جنيه لأن المريض يظل يتابع حتي نهاية العمر‏,‏ وقرارات القومسيون لاتزيد علي‏2000‏ جنيه‏,‏ بينما عملية الزرع لاتقل تكلفتها عن‏25‏ ألف جنيه
‏,‏ ويكشف الدكتور غنيم أن‏50%‏ من مصاريف المركز عبارة عن هبات ومنح ومساعدات‏,‏ وتشويه المركز بهذه الأمور الشخصية ربما يقطع الحبل السري لهذه المساعدات‏,‏ ثم أن معظم من يعمل في المركز اما حصل علي جائزة الدولة التشجيعية او التقديرية‏.‏
وخلاصة الأمر أن الادارة لابد أن تكون مؤسسية ولاتدار بفرد ـ خاصة ان المركز مؤسسة جامعية يدخل في اطار اللوائح والقوانين‏.‏ ويقول الدكتور غنيم انه طالب شفاهة وكتابة بضرورة تغيير قوانين الجامعات ـ ليس بقصد الحفاظ علي مركز أمراض الكلي‏,‏ ولكن بقصد تطوير الجامعات ككل لاداء رسالتها في مجال التعليم الجامعي علي أرض حديقة شجرة الدر‏,‏ يبدو مركز زراعة الكلي بالمنصورة مثل النتوء الحضاري‏,‏ يتوسع يوما بعد الآخر ـ حيث لايقف التطور عند حد المباني والتجهيزات الطبية الراقية والتوسع بمستشفيات ملحقة ولكن في انشاء أحدث شبكة للحاسبات تغطي جميع أقسام المركز وتصب في قاعدة مركزية موحدة‏,‏ بما يساعد علي تحقيق اعلي درجة من الدقة والسرعة في ادخال واسترجاع ومعالجة كل معلومات المريض بما في ذلك صور الأشعة‏..‏ ولهذا بلغت نسبة العمليات الجراحية المجانية‏82%,‏ في حين بلغت نسبة العمليات الجراحية وفقا لنظام العلاج بأجر بالمركز نحو‏18%‏ للمرضي الذين يتمتعون بنظام التأمين الصحي وصناديق العلاج الخاصة او الذين صدرت لهم قرارات من القومسيون بعلاجهم علي نفقة الدولة

ونتيجة للإقبال الشديد والزحام قام طارق الشبشبيني بالتبرع بمستشفي في سمنود علي بعد‏20‏ كيلو من المنصورة وأصبح هذا المستشفي ملحقا بمركز زراعة الكلي وهو صورة مصغرة منه وسوف تبدأ العمليات في أول يناير المقبل‏,‏ ويستوعب‏36‏ سريرا لجراحات المسالك والجراحات الصغيرة‏,‏ ويتوقع أن يخدم‏4‏ آلاف مريض في العام وخلاصة الأمر من رجل عالم بحجم الدكتور محمد غنيم إذا أردنا التطوير الحقيقي للجامعات ومؤسسات البحث العلمي بأن يكون شغل جميع الوظائف الجامعية الأكاديمية‏,‏ بدءا من وظيفة مدرس حتي وظيفة رئيس القسم عن طريق الاعلان المفتوح‏,‏ بما يضمن عدم الترقية بنظام الزحف‏,‏ وبما يحفز اعضاء هيئة التدريس علي مواصلة البحث العلمي مع ضرورة تفرغ أعضاء هيئة التدريس تفرغا كاملا‏.‏ ويمكن تنفيذ هذا التوجه علي عدة مراحل‏.‏ تبدأ المرحلة الأولي بتضمين قانون الجامعات بوجوب تفرغ المدرسين تفرغا كاملا لمدة‏3‏ سنوات من تاريخ حصولهم علي درجة الدكتوراه‏.‏ ووجوب تفرغ القيادات الجامعية المتمثلة في رؤساء الاقسام ووكلاء الكليات وعمدائها ونواب رئيس الجامعة ورئيس الجامعة في نفس المرحلة‏.‏
وأن يكون القسم الاكاديمي هو الوحدة الاساسية لكل كلية‏.‏ ومن ثم يجب أن يتوافر له الاستقلال الكامل من الناحية المالية والادارية والكاديمية‏,‏ وأن يكون رئيس القسم هو استاذ الكرسي ولايتم اختياره بالاقدمية من بين اقدم ثلاثة اساتذة أو بالانتخاب‏.‏ وانما عن طريق الاعلان المفتوح‏.‏ ويجوز ـ في شغل هذه الوظيفة بالتحديد ـ الاستعانة بمحكمين من الخارج لفحص الانتاج العلمي للمتقدم لشغلها درءا لأي شبهات‏.‏ كما يجب الرجوع إلي تاريخه العلمي وتفضيل الحاصلين علي جوائز الدولة التشجيعية أو جوائز التفوق العلمي مع ضرورة التقويم المستمر لأعضاء هيئة التدريس ـ وخاصة شاغلي وظائف رؤساء الاقسام ـ عن طريق حصر وتقويم انتاجهم العلمي ومدرستهم العلمية وانجازاتهم الانشائية‏.‏ واعادة الاعلان لشغل الوظيفة ذاتها كل ست سنوات‏.‏ ويجوز الاستعانة بمحكمين من الخارج في هذا الصدد أيضا‏.‏

وفي إطار وجوب التفرغ يجب تحفيز المتفرغين وتعويضهم ماديا في مقابل التفرغ‏.‏ وهناك بعض الأفكار التي تعالج هذه المسألة مثل‏:‏

ـ أن تخصص الاعتمادات ـ المدرجة لما يعرف ببدل الريادة وبدل الساعات الاضافية وبدل البحث العلمي ـ لدعم اعضاء هيئة التدريس المتفرغين‏.‏
ـ أن يقتصر السفر في المهمات العلمية وحضور المؤتمرات علي المتفرغين فقط‏.‏

ويشير الدكتور غنيم إلي أن هناك تناقضا آخر يتحتم النظر إليه ومعالجته وهو قضية اعارة أعضاء هيئة التدريس فإنه من المستغرب أن تشكو الجامعات من قلة أعضاء هيئة التدريس بها في الوقت الذي يسمح فيه القانون باعارة‏50%‏ من أعضاء هيئة التدريس للعمل في الخارج‏.‏ أو في الداخل‏(‏ الجامعات الخاصة‏...!!)‏ لمدة كانت محددة بست سنوات من قبل ثم اصبحت تصل إلي عشر سنوات‏!!‏
والأغرب من ذلك أن يسمح في نفس الوقت لعضو هيئة التدريس المعار بالاحتفاظ باقدميته والتقدم للترقية في مواعيده‏,‏ ولهذا فات علي مصر الكثير بسبب تأخر البحث العلمي والامثله علي ذلك‏,‏ أن مصر والهند بدأتا معا في توقيت واحد ـ عام‏1956‏ في عملية البحوث النووية‏..‏ والمفاعل الذري الذي استحضر لمصر من الاتحاد السوفيتي آنذاك استلمت الهند مفاعلا ذريا مماثلا له‏..‏ والهند اليوم لديها سيطرة كاملة في مجال العلوم النووية‏,‏ في حين لم تتقدم مصر قيد انملة في هذا المجال‏,‏ والغريب أن تقوم مصر علي الزراعة منذ سبعة آلاف سنة وعلي الرغم من ذلك مازلنا نعتمد في كثير من المجالات الزراعية الوطنية علي الأبحاث العلمية من دول الجوار‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية