تحقيقات

42897‏السنة 127-العدد2004مايو18‏28 من ربيع الأول 1425 هـالثلاثاء

اللحوم السـودانية
هل تطفيء نيران الأسعار؟‏!‏

تحقيق : عبدالمحسن سلامه
أسباب كثيرة أدت إلي اشتعال النيران في أسعار اللحوم لعل أهمها ما حدث أخيرا من انفلات سعرالصرف وانهيار قيمة الجنيه وانعكاس ذلك علي الأعلاف المستوردة‏,‏ إلا أن هناك أسبابا أخري قديمة أسهمت في تلك الأزمة‏,‏ منها انهيار مشروع البتلو وما حدث من خروج العديد من المزارعين من حقل التربية بعد تطبيق قانون العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية نتيجة تسليم الأرض إلي الملاك وطرد المستأجرين‏.‏ كل هذه العوامل وغيرها أدت إلي انفلات أسعاراللحوم‏,‏ ولم يكن هناك بديل سوي اللجوء إلي الاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج المنهار والاستهلاك المتزايد‏,‏ وقد بلغ إجمالي ماتم استيراده عام‏(2002)165‏ ألف طن‏,‏ إلا أن مضاعفة سعرالدولار خلال العام الماضي أدت إلي تراجع ما تم استيراده إلي‏128‏ ألف طن‏.‏
وحكاية اللحوم المستوردة حكاية طويلة تختلط فيها الحقائق بالشائعات حول مخاطرها وأضرارها ومشاكلها‏,‏ فاللحوم المصابة تحمل معها مخاطر الإصابة بأمراض عديدة وأشهرها جنون البقر‏,‏ والحمي المالطية‏,‏ وحمي الوادي المتصدع‏,‏ إضافة إلي الحمي التيفودية والالتهاب والنزلات المعوية‏..‏ لذلك كان التشديد علي رقابة اللحوم المستوردة لحماية المستهلكين من هذه المخاطر وغيرها‏,‏ بالإضافة إلي حماية ثروتنا الحيوانية‏.‏

وقد بدأت إجراءات تشديد الرقابة علي اللحوم المستوردة منذ أصدر د‏.‏ أحمد جويلي وزير التجارة والتموين الأسبق قراره رقم‏465‏ لسنة‏1997‏ والذي وضع شروطا محددة للاستيراد منها أن يتم الشحن مباشرة من بلد المنشأ إلي مصر وأن توضع داخل كل كيس بطاقة مكتوب عليها وعلي أكياس التعبئة من الخارج وعلي العبوات الخارجية البيانات الآتية‏(‏ بلد المنشأ‏,‏ اسم المنتج وعلامته التجارية‏,‏ اسم المجزر‏,‏ تاريخ الذبح‏,‏ اسم المستورد وعنوانه‏,‏ والجهة التي أشرفت علي الذبح طبقا للشريعة الإسلامية‏,‏ علي أن تكون هذه الجهة معتمدة من المكتب التجاري في بلد المنشأ‏).‏
هذه الاشتراطات أنهت ظواهر كثيرة تتعلق بتاريخ الصلاحية وفساد اللحوم المستوردة‏,‏ وتضمنت ألا تكون الصلاحية قد اقتربت من الانتهاء‏,‏ كما كان يحدث قبل ذلك‏.‏

إلا أن كل ذلك لم يؤد إلي انتهاء التلاعب تماما‏,‏ وظلت المشاكل قائمة هنا وهناك من بعض معدومي الضمير الذين يريدون تحقيق أقصي ثراء علي حساب المستهلكين من خلال التلاعب في الاشتراطات‏.‏
وحينما ظهرت أزمة جنون البقر في أوروبا‏,‏ أصدر د‏.‏ يوسف والي وزير الزراعة قرارا بحظر استيراد الأبقار الحية واللحوم ومنتجاتها ومصنعاتها والمخلفات والمركزات والأعلاف المحتوية علي مسحوق اللحم والعظم من الدول الأوروبية لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد‏,‏ وحتي الآن يتم التجديد مع استثناء بعض المناطق التي اتخذت إجراءات بيطرية للسماح بالاستيراد‏.‏

وطبقا لبيانات وزارة الزراعة‏,‏ فإن عدد رءوس الجاموس في مصر نحو‏3,7‏ مليون رأس‏,‏ ويليها عدد رءوس الأبقار‏3,1‏ مليون رأس‏.‏ ويبلغ إجمالي الإنتاج السنوي نحو‏650‏ ألف رأس لا تفي بحاجة الاستهلاك المحلي‏,‏ لذلك فقد تم استيراد نحو‏128‏ ألف طن من اللحوم المجمدة في العام الماضي لسدالعجز بين الإنتاج والاستهلاك‏.‏
وعلي الرغم من الاستيراد‏,‏ فإن تصاعد أسعار اللحوم لم يتوقف‏,‏ وقد امتد الأمر إلي الدواجن هي الأخري‏,‏ وقد وصل متوسط سعر كيلو اللحوم في الأحياء الشعبية نحو‏25‏ جنيها‏,‏ ترتفع أكثر من ذلك للقطع الممتازة‏,‏ وتكاد تتضاعف في الأحياء الراقية‏,‏ ولم يفلح الاستيراد في وقف هذا التصاعد‏,‏ حيث يفضل أغلبية المستهلكين شراء اللحوم البلدي‏,‏ ونتيجة غياب الرقابة علي الأسواق بدأت محاولات الغش والتلاعب وبدأنا نسمع عن لحوم الحمير والكلاب التي يتم ضبطها هنا وهناك مثلما حدث حينما عثرت مباحث الجيزة علي‏9‏ رؤوس حمير دفعة واحدة‏,‏ وكذلك حدث في المنيا والإسكندرية وغيرهما من المحافظات‏.‏

اللحوم السودانية
د. حسن عيداروس
لكل هذا وفي اطار البحث عن بدائل لتوفير اللحوم الحمراء وضبط الاسعار لجأت الحكومة الي التفكير في استيراد اللحوم السودانية حيث تعاقدت الحكومة علي استيراد‏3‏ آلاف طن لحوم مقابل سلع مصرية وذلك كخطوة أولي في اطار زيادة الاعتماد علي اللحوم السودانية لخفض الاسعار وسد الاحتياجات ومن المتوقع ان يبلغ سعر الكيلو من اللحوم السودانية نحو‏11‏ جنيها‏.‏
ويشير د‏.‏ حسن عيداروس رئيس هيئة الخدمات البيطرية الي ان مصر تقوم باستيراد نحو‏160‏ ألف رأس جمل سنويا من السودان وهذه الجمال تخضع لاجراءات بيطرية صارمة‏,‏ وقد تم التعاقد لصالح وزارة التموين علي استيراد الدفعة الأولي من اللحوم المبردة وهي غير اللحوم المجمدة فهي عبارة عن لحوم طازجة يتم حفظها في درجة حرارة تتراوح بين صفر الي درجتين مئويتين وصلاحيتها تمتد لمدة‏10‏ أيام فقط‏,‏ وقد قامت لجنة فنية متخصصة من الأجهزة البيطرية بالتعاون مع هيئة الرقابة علي الصادرات والواردات بزيادة المجازر وفحص الحيوانات‏,‏ وتمت الموافقة علي التصريح بذبح الابقار في مجزرين وتوقيع الكشف علي الحيوانات قبل ذبحها‏.‏
سألته عن المخاوف من الأمراض والأوبئة التي قد تكون منتشرة في السودان ؟‏!‏
أجاب‏:‏ هذه المخاوف لاأساس لها وعموما نستورد اللحوم المذبوحة وليست الحية والسودان ليس من المناطق الموبوءة وهي دولة مصدرة للحوم وكثير من الدول تستورد منها اللحوم ونحن نقوم باتخاذ كل الاجراءات البيطرية والصحية لضمان سلامة اللحوم وخلوها من الامراض فلا توجد دولة مصابة بشكل مطلق أو سليمة بشكل مطلق‏,‏ وسوف تقوم لجان الفحص البيطري بالذهاب الي السودان لمراقبة جميع الاجراءات وضمان سلامة اللحوم وخلوها من الأمراض تماما مشيرا الي نجاح تجربة استيراد الجمال السودانية وامكانية نجاح تجربة استيراد اللحوم هي الأخري‏,‏ وسوف تصل الدفعات الأولي من الصفقة التي تم التعاقد عليها قريبا لطرحها في الأسواق بمعرفة وزارة التموين‏.‏

مؤشرات نجاح
د. ماجدة رخا
ومن جهتها تري د‏.‏ ماجدة رخا وكيل اول وزارة الصحة ان هناك مؤشرات لنجاح هذه الصفقة باعتبارها أفضل صحيا من اللحوم الأخري فهي صفقة للحوم المبردة وبالتالي يسري عليها مايسري علي اللحوم الطازجة‏.‏
كما ان السودان من دول المراعي وبالتالي فالحيوانات يتم تغذيتها علي المرعي وهي أفضل من التغذية علي الأعلاف من الناحية الصحية والبيطرية والمذاق‏,‏ ومن الأفضل زيادة التعاون مع السودان في هذا المجال مادامت قد توافرت الاشتراطات الصحية والبيطرية‏,‏ كما ان السودان ليست من المناطق الموبوءة عالميا بالنسبة للحيوانات‏.‏

سألتها‏:‏ وماهو دور وزارة الصحة في الرقابة علي اللحوم السودانية؟‏!‏
أجابت د‏.‏ ماجدة رخا‏:‏ اللحوم السودانية مبردة حتي الآن وماينطبق علي الحيوانات الحية ينطبق عليها‏..‏ أي انها تخضع للاجراءات الصحية البيطرية لان مدة صلاحيتها صغيرة جدا ولاتحتمل الاجراءات والفحوص المعملية التي تأخذ بعض الوقت ولذلك فإن الجهات البيطرية هي التي تقوم بفحص الحيوانات قبل الذبح وبعده كما يحدث في السلخانات ومحلات الجزارة‏.‏

القطاع الخاص
وعلي الجانب الآخر فإن د‏.‏ عاطف بسيوني رئيس مجلس إدارة رابطة اللحوم المستوردة يري ان الصفقة السودانية تصب في صالح المستهلك المصري لانها سوف تسهم في السيطرة علي اسعار اللحوم المرتفعة مشيرا الي انه لاتوجد بيانات دقيقة عن اجمالي الناتج والاستهلاك المصري غير ان الأمر المؤكد اننا نستورد نحو‏150‏ ألف طن لحوم مجمدة سنويا حيث تم استيراد‏165‏ ألف طن في العام قبل الماضي انخفضت الي‏128‏ ألف طن في العام الماضي نتيجة ارتفاع سعر الصرف وانكماش السوق المصرية‏.‏
واضاف ان القطاع الخاص يمكن ان يشارك في هذه التجربة غير ان الأمر يحتاج الي الكثير من الجهد ولابد أن تكون الحكومة هي الضامن حتي لايضخ القطاع الخاص الكثير من الاستثمارات دون ضمانات كافية‏,‏ ومن الممكن في هذه الحالة انشاء شركة مصرية سودانية تتولي اعداد مراكز للتجميع وانشاء المجازر وثلاجات التخزين والاشراف الطبي والبيطري وحتي ينتهي الأمر بالشحن وهذا هو الحل القابل للاستمرار حتي لاتكون مجرد صفقة او اكثر ثم يتوقف الأمر‏.‏

قلت له‏:‏ ولكن هي يمكن ان يقبل القطاع الخاص بنظام المقايضة؟‏!‏
أجاب‏:‏ القطاع الخاص يرحب بنظام المقايضة ولايؤثر ذلك علي ارباحه مطلقا والمشكلة اننا نريد ضمان استثماراتنا حتي لانتعرض للمخاطر بتغير الظروف الحالية‏.‏
وأضاف‏:‏ اننا نستورد من البرازيل والأرجنتين وارجواي وبعض الدول الأوروبية التي تنطبق عليها الشروط والتعليمات والمواصفات المصرية‏,‏ والسودان اقرب وأفضل إذا توافرت فيها الاشتراطات الصحية وتأكدنا من ضمان الاستثمارات التي سيتم ضخها لان المشكلة في السودان انها تحتاج الي بنية اساسية من مراكز تجميع ومجازر وكلها تتكلف استثمارات ضخمة لابد أن تكون مضمونة وغير مهددة‏.‏

اللحوم الهندية
ويشير أحمد ماهر حفني عضو مجلس إدارة الرابطة الي مشكلة اللحوم الهندية وماحدث فيها من خسائر للمستوردين المصريين وصلت الي‏38‏ مليون جنيه حيث كنا نتخوف من الاستيراد من هناك إلا أنه بعد موافقه الجهات الرسمية واعلانها عن الاستيراد من الهند قمنا بالتعاقد علي الاستيراد وارسلت وزارة الزراعة وفدا لمعاينة الموقف علي الطبيعة ولم يلتزم الجانب الهندي بالقواعد المتفق عليها ولم تتدخل الحكومة لإنصافناورد أموالنا وكانت النتيجة تلك الخسارة التي تعرضنا لها‏.‏
ويؤكد عادل بسيوني عضو مجلس إدارة الرابطة علي التطور الكبير الذي شهدته عمليات الشحن والتخزين بما يضمن جودة اللحوم المستوردة وقد أصبحت الآن مدة الصلاحية لاتتجاوز‏9‏ شهور طبقا للمواصفات المصرية وذلك بالنسبة للحوم التي يتم استهلاكها و‏6‏ شهور للحوم التي يتم تصنيعها‏,‏ كما أصبحت هناك العديد من الضوابط والقيود مثل ان يتم الذبح لصالح المستورد فقط وباسمه أي أنه لايجوز الاستيراد بشكل مطلق وذلك لضبط فترة الصلاحية وضمان جودة اللحوم المستوردة‏.‏
يبقي بعد ذلك أن تدرس الحكومة ومقترحات القطاع الخاص في إنشاء شركة مصرية سودانية حتي لاتكون المسألة مجرد صفقة وانتهت علي ان تضمن الحكومتان هذه الشركة حتي لايتكرر ماحدث في المنشآت التعليمية وممتلكات الري حينما استولت عليها الحكومة السودانية ثم اعادتها بعد ذلك‏.‏

موضوعات اخرى

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~