ملفات الأهرام

42618‏السنة 127-العدد2003اغسطس13‏15 من جمادى الآخرة 1424 هـالأربعاء

الحوار الفكري
العولمة وتآكل مفهوم الدولة
بقلم: د‏.‏ عصام عبدالله

نشر هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي في مرحلة الحرب الباردة ووزير الخارجية‏,‏ مقالين متتاليين نعي فيهما موت معاهدة ويست فاليا عام‏1648,‏ التي حددت قواعد اللعبة الدولية بعد حرب الأعوام الثلاثين في أوروبا‏,‏ واستغل كيسنجر اعتداءات سبتمبر الدامي‏,‏ في الترويج لفكرة أن العالم دخل مرحلة جديدة بظهور التنظيمات المستقلة عن الدولة والقادرة علي تهديد الأمن المحلي والعالمي‏,‏ مما يعني تآكل مفهوم الدولة بالمعني التقليدي‏,‏ ونهاية التصور التقليدي أيضا لمفهوم السيادة الوطنية‏.‏
وحسب كيسنجر فإنه ينبغي ابتكار تصورات جديدة ونظريات حديثة تتواكب والمرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم من القديم إلي الجديد‏,‏ كالنظرية الاستباقية التي طرحها الرئيس الأمريكي جورج بوش‏,‏ وتعديل القوانين الدولية‏(‏ كيسنجر‏),‏ والعودة إلي التسلح من جديد‏(‏ رامسفيلد‏,‏ تشيني‏,‏ رايس‏).‏

فإلي أي حد يصدق هذا الرأي؟ وما هي المنظومة التي يندرج تحتها أو فوقها؟ هل يعبر عن الاتجاهات والتطورات الموضوعية لتآكل مفهوم الدولة أم يوظف ذلك في خدمة الاتجاهات القومية الجديدة داخل الولايات المتحدة‏,‏ والتي يقودها الصقور؟

‏***‏

تبلورت فكرة الدولة منذ جان بودان وجروتيوس‏,‏ وهي نظرية الحق الطبيعي في تعريف الدولة‏,‏ بأنها مكونة من عنصرين هما‏:‏
‏1‏ ـ المجتمع‏:‏ أو ما كان يسمي عادة بـالمجتمع المدني‏,‏ وهذا المجتمع يوجه إلي تحقيق الغايات التي من أجلها يضطر الناس إلي أن يعيشوا مجتمعين أي معا‏.‏

‏2‏ ـ السلطة العليا ذات السيادة التي تحكم هذا المجتمع‏,‏ وتسمي أحيانا الجلالة‏,‏ أو السلطة العليا‏,‏ أو الإمارة العليا‏,‏ أو السيادة‏.‏

ومنذ جان بودان تركزت أبحاث فقهاء القانون وعلماء السياسة والفلاسفة الاجتماعيين حول تعريف معني السيادة‏,‏ فالكلمة اشتقاقيا‏,‏ جاءت من الحكم الأعلي أو الذي لا يعلي عليه‏,‏ وبالتدريج أضيف إلي هذا المعني معني المطلق والأوحد في تعريف معني السيادة في الدولة الحديثة‏.‏
وتقوم الدولة في شكلها الحديث علي إقليم له حدود ثابتة نسبيا‏(‏ تخوم‏),‏ وهي مكلفة بالسكان الذين يقطنون هذا الإقليم‏,‏ وهي في النهاية ذات سيادة‏,‏ لا تخضع من حيث المبدأ لأي سلطة أعلي‏,‏ وتعترف بها الدول الأخري بهذه الصفة‏.‏

وأدي استعمار الأرض بواسطة الدول الأوروبية ثم تصفية الاستعمار‏,‏ إلي انتشار هذا النموذج المؤسسي علي النطاق العالمي‏,‏ حيث يتقاسم أكثر من مائتي دولة حاليا‏,‏ ما يقرب من مجموع الأراضي الظاهرة فوق سطح البحر‏.‏
بيد أن ظهور ما يعرف بـالعولمة‏,‏ وضغط الزمان والمكان بفعل الثورات التكنولوجية في النقل والاتصال وصناعة المعلومات‏,‏ وظهور الشركات متعدية الجنسيات والمنظمات الدولية والمؤسسات غير الحكومية العابرة للقوميات والحركات الاجتماعية العالمية‏,‏ أوقعت اضطرابا في مجموع وظائف الدولة‏,‏ ومن ثم في مشروعيتها نفسها‏.‏

وحسب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبر في كتابه اللاوياثان‏1668,‏ فإن أساس الدولة يكمن أولا في قدرتها علي ضمان السلم المدني بين المقيمين تحت سلطتها وحمايتهم من أي معتد خارجي‏.‏ أما عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر‏(1864‏ ـ‏1920)‏ فرأي أن للدولة الحديثة احتكار العنف والقسر المادي المشروع‏,‏ فهي وحدها التي تحتفظ بحق القيام بأعمال الشرطة في الداخل والحرب في الخارج‏.‏
غير أن العولمة قد أدت بالفعل إلي‏(‏ مسامية الحدود‏)‏ مع تضاعف تدفق البضائع والأفراد والأفكار من ناحية‏,‏ وسحب حق استخدام القوة من الدولة وإسناده إلي أجهزة أو منظمات دولية‏,‏ كمنظمة الأمم المتحدة‏,‏ ومجلس الأمن من ناحية أخري‏.‏ كما أن تضاعف المعادلات وتنامي الاتفاقيات الدولية أدي إلي تعديل التشريعات الوطنية وإعادة تشكيلها في كل ما له تأثير علي التبادل‏,‏ فما يحدد التشريع الآن هو حتمية التكيف مع المنافسة الدولية أكثر منه إرادة الشعب في الدول الديمقراطية‏.‏

وإذا كانت الدولة في شكلها الحديث قد ازدهرت في صورة الدولة الحامية‏,‏ وفرضت نفسها بوصفها إطارا للتضامن المؤسسي بين الأغنياء والفقراء‏,‏ الأصحاء والمرضي‏,‏ الفاعلين وغير الفاعلين‏,‏ وبذا حلت محل أنواع التضامن التقليدي كالأسرة‏,‏ فإن التدويل واندفاعاته الأساسية بفعل العولمة‏,‏ وضع الدولة أمام معضلة شديدة التعقيد‏,‏ إذ تطلبت حتمية المنافسة التحلل من أعباء هذا التضامن‏,‏ ومحاباة بعض الفئات والمناطق المحظوظة من البلاد التي تتوافق مع آليات المنافسة‏.‏
هكذا أثرت العولمة علي مشروعية الدولة من أعلي ومن أسفل ـ حسب تعبير فيليب مورو ديفارج ـ فماذا يعني الاقتراع الشعبي‏(‏ الانتخاب‏)‏ بعد أن سقطت قوانين الدولة في حمم القيود والقواعد الدولية؟

إن العناصر المكونة للدولة وهي الأفراد والمجموعات والمشروعات والمناطق‏,‏ إما أنها تنتظر من الدولة أن تحميها من فوضي العولمة‏,‏ أو تحاول التحرر منها بـالهجرة والتدويل والانفصال‏,‏ أو علي الأقل تلوح بالتهديد بذلك‏,‏ وفي الحالتين لم تعد الدولة كيانا يستنفر الخضوع والتضحية‏,‏ وإنما مكان للتفاوض المستمر‏,‏ حيث يقيس كل شخص بصورة حادة ودائمة ما يقدمه للدولة وما يحصل عليه منها‏.‏

‏***‏

إن الخط الفاصل الذي كان يميز بين الصراعات الداخلية والصراعات الدولية قد اختفي‏,‏ أو أنه يتجه نحو الاختفاء‏,‏ وهو الخط الذي بقي واضحا طوال القرن التاسع عشر وحتي نهاية الحرب الباردة‏,‏ إلي حد كبير‏.‏
وكما يؤكد المؤرخ الإنجليزي اريك هوبسباوم في كتابه الأخير القرن الجديد‏,‏ فإن الجيوش الأجنبية لم تكن تعبر الحدود بدعوي حل صراع داخلي ينشب في نطاق دولة مستقلة وذات سيادة‏,‏ وكان هذا يمثل القاعدة الذهبية للنظام الدول‏,‏ وهي قاعدة حققت للعالم استقرارا نسبيا‏,‏ إلا أن موازين هذه القاعدة قد اضطربت‏,‏ وتآكلت فاعليتها منذ عام‏1989,‏ علي نحو ما حدث في يوجوسلافيا سابقا‏,‏ والعراق الآن‏.‏

وهو يحذر من أننا سنواجه عملية ارتداد ونكوص إلي قرون غائرة خلت‏,‏ بسبب انحسار الموجة التاريخية الطويلة التي تدفقت نحو بناء الدولة ـ الأمة‏,‏ وتدعيم قوتها‏,‏ وهي الموجة التي بدأت منذ القرن السادس عشر واستمرت حتي عقد الستينيات من القرن العشرين‏.‏ وأول دلائل هذا الانحسار تمثل في ظهور تغير مهم‏,‏ وهو أن المواطنين أصبحوا أقل استعدادا لإبداء فروض الولاء والطاعة لقوانين الدولة‏,‏ وهو ما ظهر في ثورة الطلبة في العديد من العواصم الأوروبية ربيع عام‏1968,‏ وهي ثورات ناصبت العداء للمؤسسات الحاكمة القائمة آنذاك‏.‏
إن قوة الدولة الحديثة بلغت ذروتها عندما كان الاحتجاج الاجتماعي يتم في الإطار المؤسسي‏,‏ وباعتباره جزءا من العملية السياسية‏,‏ لكن هذا الأمر انتهي في أوروبا في عقد السبعينيات‏,‏ والدليل الواضح علي ذلك هو العجز في القضاء علي الميليشيات المسلحة داخل حدود الدولة علي الرغم من وجود حكومات قوية‏.‏

ويخلص هوبسباوم إلي أن الحرب الباردة أدت‏,‏ بشكل أو آخر‏,‏ إلي الاستقرار النسبي للعالم‏,‏ وعندما وضعت أوزارها سادت العالم حالة من عدم اليقين‏,‏ خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي‏,‏ الذي اقترن بتدمير نظام العلاقات الدولية الذي كان سائدا‏,‏ والذي بموجبه كان الجميع يعرفون قواعد اللعبة التي تم الاتفاق عليها بدءا من معاهدة ويست فاليا عام‏1648.‏
علي أن الجديد في مسار العقد الأخير من القرن العشرين هو اتجاه الفرد نحو العولمة والعالمية‏,‏ في الوقت نفسه وبالتزامن‏,‏ مع الاتجاه الشديد نحو تحديد الهوية والشخصية‏,‏ ربما بطريقة متطرفة‏,‏ وكأن العالم أصبح مقسما إلي مجموعات ثقافية وإثنية متعددة‏.‏

وتخضع هذه المجموعات لضغوط العولمة‏,‏ كما تخضع لمؤثرات التشتت والانقسام‏,‏ ونتيجة لذلك وقعت الدولة في فخ مزدوج‏,‏ بين الهوية‏(‏ العرقية والإثنية‏)‏ التي تضغط بشدة علي كيان الدولة القومية‏,‏ وبين متطلبات العولمة التي تنخر في جدرانها‏.‏
ويمكن تلخيص أهم الاتجاهات العالمية التي عجلت بتآكل مفهوم الدولة بالمعني التقليدي في أربعة اتجاهات‏:1‏ ـ من السيادة إلي الاستقلال‏,2‏ ـ من الاعتماد علي الذات إلي التشابك والاندماج‏,3‏ ـ من العولمة إلي المحلية‏,4‏ ـ من الجغرافيا السياسية إلي سياسة الهويات‏.‏

فإذا كان نظام الدولة القومية الحديثة اعتمد أساسا علي مبدأ السيادة‏,‏ كما أسلفنا‏,‏ وفقا لاتفاقية ويست فاليا عام‏1648‏ التي ربطت كلا من السيادة القومية والهوية الوطنية بالصفة الإقليمية‏,‏ أو قل ربطت السلطة بالمكان‏,‏ وأصبحت الدولة لها حدود معترف بها من قبل الدول الأخري‏,‏ فإن هذا الأمر قد ظل علي هذا المنوال حتي ظهر الناشطون غير الحكوميين الذين انتشروا في الأنظمة الدولية بسرعة رهيبة‏,‏ مما أدي إلي التقليل من شأن سيادة الدولة الحديثة‏,‏ ومن ثم من شأن مبدأ السيادة نفسه عن محيط التأثير في النظام الدولي‏.‏
لقد حل الاستقلال‏(‏ استقلال هؤلاء الناشطين‏)‏ محل السيادة‏,‏ وصار الأفراد والمؤسسات والحركات يناضلون من أجل نيل حريتهم واستقلالهم عن سيادة الدولة‏,‏ بل التنافس مع الدولة في الهيمنة علي الموضوعات الساخنة‏,‏ والتسابق في إبرازها أمام العالم عبر وسائل الإعلام والاتصالات‏.‏

ولأن أهداف تلك الأطراف المستقلة عن الحكومات لا ترتبط بمكان معين أو إقليم محدد‏,‏ فإن مسألة السيادة الإقليمية أصبحت غير ذي بال‏,‏ إذ أن أهدافا مثل حماية البيئة أو حقوق الإنسان أو الحرية الدينية لا تتطلب سيادة علي منطقة معينة‏,‏ بقدر ما تتطلب سيادة من نوع آخر‏:‏ هو هيمنة هذه الأطراف علي تلك الأهداف وترويجها إعلاميا‏.‏
لقد سبق صامويل هانتيجتون إلي تأكيد أن حروب المستقبل ستدار بين الحضارات والهويات‏,‏ وليس بين الدول القومية‏,‏ وهو ما يعني الانتقال من الجغرافيا السياسية إلي الجغرافيا الثقافية‏,‏ وأبرز مثال علي ذلك هو استمرار حلف الناتو‏,‏ إذ أن عوامل الجغرافيا ـ الثقافية هي التي تبرر استمرار هذه المنظمة أكثر مما تبرره عوامل الجغرافيا ـ السياسية‏.
‏[‏كاتب هذا المقال‏,‏ أستاذ الفلسفة في كلية الآداب ـ جامعة عين شمس‏.]

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية