قضايا و اراء

41247‏السنة 124-العدد1999نوفمبر11‏3 من شعبان 1420 هــالخميس

نبيل الألفي‏..‏ والمسرح المصري
بقلم : أحمد حمروش

شاءت الظروف أن أكون بعيدا عن القاهرة‏..‏ لم أودع نبيل الألفي وهو في مساره الأخير بعد حياته الحافلة في خدمة الفن المسرحي التي عشت معه فيها منذ أكتوبر‏1956‏ عندما عينت مديرا للمسرح القومي‏..‏ وكان نبيل الألفي نجما متألقا من نجوم الإخراج المسرحي بعد عودته من بعثة فنية في فرنسا عام‏1947‏ سافر إليها بعد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية الذي أسسه الفنان الكبير زكي طليمات‏..‏ وكان أول دفعته‏.‏
وفي الأيام الأولي من عملي بالمسرح تابعت نبيل الألفي وهو يخرج مسرحية‏(‏ إيزيس‏)‏ للأستاذ توفيق الحكيم في دار الأوبرا القديمة التي احترقت‏..‏ كنت منبهرا بدقته ومواظبته‏..‏ ولكننا فوجئنا بعد أيام بالعدوان الثلاثي علي مصر‏,‏ وغارات الطائرات البريطانية علي القاهرة وفرض الإظلام التام وفوجئت أيضا بطلب الأستاذ توفيق الحكيم بوقف التدريبات علي مسرحية‏(‏ إيزيس‏)‏ لأنها كانت مسرحية تاريخية ناعمة لا تناسب الشعور الوطني‏..‏ واستجاب المخرج نبيل الألفي إلي ذلك بتقدير سليم‏.‏
ولم أجد سبيلا لمشاركة المسرح في المعركة إلا بتقديم مسرحيات وطنية من المسرحيات التي سبق تقديمها‏(‏ الريبرتوار‏)‏ في حفلات خاصة من الساعة الثانية إلي الخامسة قبل الغروب‏..‏ وفتحنا أبواب المسرح مجانا للجماهير التي ألهبت جو القاعة بحرارة التصفيق للمواقف الوطنية التي جاءت ضمن مشاهد مسرحيتي دنشواي الحمراء لخليل الرحيمي و‏(‏كفاح الشعب‏)‏ لأنور فتح الله‏..‏ ثم تقدم لنا عدد من شباب الكتاب بمسرحيات وطنية عن العدوان من فصل واحد‏..‏ واخرج نبيل الألفي مسرحية‏(‏ عفاريت الجبنة‏)‏ لنعمان عاشور‏,‏ و‏(‏صوت مصر‏)‏ اخرجها حمدي غيث لألفريد فرج‏,(‏ معركة بورسعيد‏)‏ أخرجها فتوح نشاطي لعبد الرحمن خليل‏.‏
وبعد انسحاب قوات العدوان الثلاثي عاود نبيل الألفي إخراج مسرحية‏(‏ إيزيس‏)‏ لتوفيق الحكيم فجاءت مبهرة بكل ما قدمته من فنون الإخراج والتمثيل والاضاءة‏.‏
وكان نبيل الألفي عضوا في لجنة قراءة المسرح القومي التي كان لا يمكن ان تنفذ مسرحية إلي خشبة المسرح إلا بعد موافقة اللجنة عليها‏..‏ وكانت تضم عددا من ألمع الفنانين والأدباء والنقاد‏..‏ فإلي جانب نبيل الألفي كان المخرج فتوح نشاطي‏,‏ والأدباء النقاد الدكاترة محمد مندور ومحمد القصاص وعلي الراعي وعبدالقادر القط‏.‏
وأخرج نبيل الألفي بعد ذلك مسرحيات مهمة للمسرح القومي مثل‏(‏ ملك القطن‏)‏ ليوسف إدريس‏,‏ و‏(‏قهوة الملوك‏)‏ للطفي الخولي‏..‏ إلي جانب تدريسه في المعهد العالي للفنون المسرحية‏.‏
وعندما غادرت المسرح القومي بعد أكثر من خمس سنوات عين نبيل الألفي مديرا له‏..‏ فكان في هذا الاختيار ما يبعث علي الاطمئنان بمحافظة المسرح القومي علي مسيرته‏..‏ واقتربت منه من جديد عندما عدت للعمل مديرا لمؤسسة فنون المسرح والموسيقي‏.‏
وشاء نبيل الألفي أن يبتعد عن منصب الإدارة في المسرح القومي ليتفرغ للاخراج الذي تألق فيه عندما قدم ماكبث وأهل الكهف‏,‏ وثورة الزنج‏,‏ وكاليجولا وغيرها من مسرحيات يصعب حصرها لأنها لم تقتصر علي مصر وحدها‏..‏ وإنما امتدت أيضا إلي العراق وقطر والسودان حيث اختاره المسئولون هناك للإشراف علي المسرح‏.‏
وابتعد نبيل الألفي عن الاخراج المسرحي عندما انزلق المسرح عن عرشه الذي تربع عليه خلال الخمسينات والستينات‏..‏ وزحفت موجة المسرحيات الساذجة البعيدة عن الفن الأصيل‏..‏ ولم يجد من وزارة الثقافة ما يحمي هذا الفن النبيل من التدهور والضياع‏.‏
اختار نبيل الألفي الفنان المخلص لفنه الابتعاد عن هذه الساحة التي أصبحت صاخبة من الهزل الرخيص‏..‏ وشعر بالغربة والانعزال‏.‏
كنت ألتقي مع نبيل الألفي في مناسبات متباعدة‏..‏ إلي أن جمعنا المسرح مرة أخري عندما عينت رئيسا للجنة العليا لملتقي المسرح العربي عام‏1996,‏ ووجدت نبيل الألفي إلي جانبي بعد أن وجد في هذا الملتقي الجاد حلقة انقاذ للمسرح وللفن العربي أيضا‏.‏
وشاء القدر أن تعطي وزارة الثقافة بعد نجاح الملتقي الأول كل جهودها إلي إقامة مهرجان المسرح التجريبي الذي يقام مرة كل عام‏,‏ ويتكلف عدة ملايين من الجنيهات‏..‏ ولم يثمر شيئا نافعا حتي الآن للمسرح المصري‏..‏ وأن تصرف النظر نهائيا عن إقامة ملتقي المسرح العربي الذي كان من الممكن له لو استمر أن يخدم الفن المسرحي والثقافة العربية‏,‏ والروح القومية‏.‏
وصدم نبيل الألفي من هذا التوجه كما صدم غيره من المثقفين والأدباء والفنانين‏..‏ ولكن صدمة نبيل الألفي الذي عاش حياته كلها فوق خشبة المسرح كانت أكبر من أن يحتملها قلبه الذي عاش ينبض مع كلمات الأدباء وحوار الفنانين‏,‏ ودقات المسرح التقليدية التي تعلن رفع الستار‏..‏
ولكن الستار كان قد انسدل علي المسرح الذي عاش نبيل الألفي وغيره من زملائه أعضاء المسرح القومي ومن تبعهم ممن تأثروا بفترتهم المجيدة في حياة الفن المسرحي المصري‏.‏
انسدلت استار بالنسبة لهؤلاء الذين قدموا علي خشبة المسرح ألمع الأفكار وأنبل القيم وأعظم الفنون‏.‏
وكان لي مع نبيل الألفي وغيره من الزملاء الذين أسعدني الحظ بمعرفتهم والعمل معهم حديث لا ينقطع نسترجع فيه الماضي ونأسي علي الحاضر ونستشرف آفاق المستقبل بالتفاؤل والأمل‏..‏ لأن عطاء شعب مصر لا يتوقف فقد ظهر خارج مسارح وزارة الثقافة بعض الفنانين الذين جعلوا من المسرح قضية لهم ولشعبهم‏..‏ وعملوا في جهد وبسالة ليرفعوا ستار المسرح من جديد علي مسرحيات تحيي الأمل في أن الفن يمكن أن يزدهر خارج اطار وزارة الثقافة التي يقتصر اهتمامها يوما بعد يوم علي المهرجانات والاحتفالات التي تمضي كالرياح بلا أثر سوي تدمير آثار الماضي‏,‏ وصرف نظر الشعب عن كل ما هو عميق ونبيل من القيم التي يجب المحافظة عليها كالجواهر‏.‏
ظهر عادل إمام ومحمد صبحي ومجموعة الفنانين المتعاونة معهما ليقدموا لنا فنا مسرحيا يستحق التقدير والاحترام‏.‏
وإذا كان نبيل الألفي قد انتقل إلي رحاب الله فإن علينا أن نستلهم من تاريخه وعطائه صورة مشرقة للأجيال الجديدة‏..‏ تؤكد لهم أن العطاء لا يضيع وأنه لايصح إلا الصحيح‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب